عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
6
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم مقدمة المؤلف قال الشيخ الإمام العالم العلامة أبو الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن رجب رحمه اللّه تعالى : الحمد للّه الذي أسكن عباده هذه الدار ، وجعلها لهم منزلة سفر من الأسفار ، وجعل الدار الآخرة هي دار القرار ، وجعل بين الدنيا والآخرة برزخا يدل على فناء الدنيا باعتبار ، وهو في الحقيقة إما روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار ، ويرفق بعباده الأبرار ، في جميع الأقطار ، وسبق رحمته بعباده غضبه ، وهو الرحيم الغفار . أحمده على نعمه الغزار ، وأشكره ، وفضله على من شكر مدرار . وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، الواحد القهّار . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المختار ، الرسول المبعوث بالتبشير والإنذار ، صلّى اللّه عليه وسلم وعلى آله وصحبه صلاة تتجدّد بركاتها بالعشي والإبكار . أما بعد : فإنّ اللّه سبحانه وتعالى خلق بني آدم للبقاء لا للفناء ، وإنما ينقلهم بعد خلقهم من دار إلى دار ، كما قال ذلك طائفة من السلف الأخيار ؛ منهم بلال بن سعد ، وعمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنهما ، فأسكنهم في هذه الدار ، ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، ثم ينقلهم إلى دار البرزخ فيحبسهم هنالك إلى أن يجمعهم يوم القيامة ، ويجزي كل عامل جزاء عمله مفصلا ، هذا مع أنهم في دار البرزخ بأعمالهم مدانون مكافئون ، فمكرمون بإحسانهم ، وبإساءتهم مهانون ، قال اللّه سبحانه وتعالى : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ المؤمنون : 100 ] قال مجاهد : البرزخ الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا ، وعنه قال : هو ما بين الموت إلى البعث « 1 » . قال الحسن : هي هذه القبور التي بينكم وبين الآخرة .
--> ( 1 ) انظر « تفسير القرآن العظيم » لابن كثير ( 3 / 340 ط الريان ) .